احمد حسن فرحات
158
في علوم القرآن
حكيم لا يأمرنا إلا بما فيه حكمة ويترتب عليه فائدة « 1 » . حكمة وجود المتشابه : عقد الراغب الأصفهاني في مقدمة تفسيره فصلا للكلام على حكمة وجود المتشابه قال فيه : « سئل بعض العابدين ، فقيل له : ما بال القرآن جعل بعضه محكما وبعضه متشابها ؟ وهلّا جعله كله على نمط المحكم حتى كان يكفى الإنسان مئونة النظر الذي قلّ ما سلم متعاطيه من زلّة ؟ وهذه مسألة نسأل عنها في الأحكام أيضا فنقول : هلا بيّنها كلها حتى يستغنى عن جهد الرأي الذي لا يؤمن خطؤه ؟ بل يسأل عنها في أصل التكليف فيقال : هلا خوّلنا اللّه إنعامه بلا مشقة ولا مؤنة حتى كان عطاؤه أهنأ منالا ؟ فقال : الجواب عن جميع ذلك واحد ، وهو أن اللّه تعالى ، خصّ الإنسان بالفكر والتمييز ، وشرّفه بهما ، حتى قال تعالى : وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ( 70 ) [ الإسراء ] ، وجعله بذلك خليفة في الأرض فقال للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ( 30 ) [ البقرة ] ، وقال تعالى : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ( 55 ) [ النور ] ، وقال تعالى : وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ( 129 ) [ الأعراف ] ، وقال تعالى : وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها ( 61 ) [ هود ] وكفاه شرفا بما أعطاه من هذه المنزلة أنه قد يصير لأجلها شريفا موصوفا بالعلم والحلم والحكمة ، وكثير من الصفات التي هي من صفاته تعالى ، وإن لم تكن على حدّها وحقيقتها . ولما خصّه اللّه تعالى بهذه الفضيلة - أعني بالفكر والرؤية - أعطاه كل
--> ( 1 ) انظر بحث « معاني المحكم والمتشابه في القرآن الكريم » للدكتور أحمد حسن فرحات ، طبع دار عمار للنشر والتوزيع - الأردن .